القضاء العسكري بين الواقع والتاريخ .. ورقة بحثية من إعداد باحثي “التنسيقية المصرية”

القضاء العسكري بين الواقع والتاريخ .. ورقة بحثية

ورقة بحثية حول المحاكمات العسكرية للمدنيين، أعدتها التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، عن المحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر.

تم تقسيم الورقة الى 3 عناصر أساسية، وهي، تاريخ القضاء العسكري في مصر، ثم القضاء العسكري في العالم المتحضر، وأخيرا لماذا نرفض احالة المدنيين للقضاء العسكري.

أعد الورقة كلا من:
أ. أسامه ناصف – الباحث الحقوقي بالتنسيقية المصرية
أ. على نجاح – الباحث الحقوقي بالتنسيقية المصرية

…………………………………………………………………………………………

يعد تاريخ المحاكمات العسكرية للمدنيين من أقدم القضايا في مصرK وقد تدرجت وتطورت القوانين العسكرية منذ أيام الاحتلال الإنجليزي وحتي الآن بدرجة كبيرة، وسنتناول أهم التطورات خلال هذه الفترة في سبعة مراحل أساسية.

المرحلة الأولي :
صدر في 7 يونيو سنة 1884م قانون بتقرير وجوب إتباع ما يجرى عليه الأمر في الجيش البريطاني أي جيش الإحتلال، وفي عام 1893 جمعت هذه الأحكام ملحقا بها الإجراءات المتبعة في الجيش البريطاني و أطلق عليها إسم الأحكام العسكرية، ثم أعيدت طباعتها طبقا لما طرأ من تعديل على إجراءات الجيش البريطاني عام 1917، وفي عام 1949 أنشأت محاكم سميت (بالمحاكم المختلطة) أي محاكم مدنية بوصاية عسكرية.

*أبرز التجاوزات في هذه الفترة:
– محكمة دنشواي (عام 1906) والتي قدم فيها 92 شخصا إلي المحكمة، أثبتت التهم علي 36 شخصا منهم، وحكمت المحكمة على 4 منهم بالإعدام والباقي بين الأشغال الشاقة والجلد.

المرحلة الثانية :
من 15 أكتوبر سنة 1949 – فبالرغم من تأثرها بالإستقلال الظاهري؛ و ما تبع ذلك من إلغاء المحاكم المختلطة؛ والإمتيازات الأجنبية، إلا أنها اتسمت بالمسحة الأجنبية.

المرحلة الثالثة :
من 23 يوليو سنة 1952 – فقد عبر الميثاق عن هذه الفترة في الباب الخامس “أن المفاهيم الثورية الجديدة للديمقراطية السليمة لابد لها أن تفرض نفسها على الحدود التي تؤثر في تكوين المواطن وفى مقدمتها التعليم والقوانين واللوائح الإدارية، كذلك فإن القوانين لابد أن تعاد صياغتها لتخدم العلاقات الاجتماعية الجديدة التي تقيمها الديمقراطية السليمة تعبيرا عن الديمقراطية الاجتماعية”

ومع ذلك إستمرت إحالة المدنين للقضاء العسكري، واستمر خضوعه تقريبا لنفس القوانين السابقة، بل وتزايدت إحالة المدنين للقضاء العسكري في هذه الفترة عن فترة الإحتلال، لقمع الخصوم السياسيين للنظام آنذاك.

*أبرز التجاوزات في هذه الفترة:
– أحيل عدد كبير من المدنيين للمحاكمات العسكرية في عام 1954، اثر ما يعرف بحادث المنشية، وحكم علي 7 أشخاص منهم بالإعدام، أشهرهم عبدالقادر عودة ومحمد فرغلي و حسن الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين والذي خفف عليه الحكم للمؤبد، وحكم علي البقية بالسجن والمؤبد.
– اتُهِم الآلاف من جماعة الإخوان المسلمين، عام 1965، ومن بينهم سيدات، في أربعة قضايا رئيسية، فيما عرف بـ (تنظيم 65)، وقد حكم في هذه القضايا كالتالي:
القضية الأولي: حكم فيها على 7 أشخاص بالإعدام أشهرهم (سيد قطب) وحكم على 26 شخص بالمؤبد وحكم على 7 أشخاص بالسجن 15 سنة، وحكم علي 4 أشخاص بالسجن 10 سنوات.
القضية الثانية والثالثة والرابعة : حكم فيها علي 99 شخص بأحكام مختلفة، بين 7 سنوات و 15 سنة.

المرحلة الرابعة :
وهي المرحلة التي صدر فيها قانون 25 لسنة 1966، اولذي يقول “الإدارة العامة للقضاء العسكري هي إحدى إدارات القيادة العليا للقوات المسلحة، ويتبع هذه الإدارة نيابة عسكرية و محاكم عسكرية و فروع أخرى حسب قوانين و أنظمة القوات المسلحة”.

* أبرز التجاوزات في هذه الفتره:
– أحيلت (36) قضية للقضاء العسكري بين عامي 1992 – 2000، من ضمنها القضية التي عرفت بـ (العائدون من افغانستان)، وبلغ عدد المتهمين في هذه القضايا (1136) متهم، وانتهت إلى صدور (94) حكما بالإعدام، وحكم على (701) متهما بالحبس و السجن ، وبراءة (341) آخرين. 
– أحيل 22 شخصا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، في عام 2001، إلى القضاء العسكري، وحكم علي 5 أشخاص بالسجن 5 سنوات و على 11 شخصا بالسجن 3 سنوات، و حكم بالبراءة لـ 6 أشخاص.
– وفي عام 2007؛ صدر قرار من رئيس الجمهورية حسني مبارك بإحالة عدد من المدنيين للقضاء العسكري، وحكم علي 25 شخصا بالسجن مددا مختلفة تتراوح بين 3 سنوات و 10سنوات، ومصادرة أموال ثلاثة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

المرحلة الخامسة:
وهي مرحلة حكم المجلس العسكري بعد ثورة يناير (28 يناير 2011 – 29 يونيو 2012)
وفي هذه المرحلة؛ قبض على 8071 مدنيا على الأقل، حكم على 1270 منهم بأحكام متفاوتة، بين السجن لمدة عام وحتى 15 عاما بتهم مختلفة، وذلك بحسب تقديرات “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” الذي حكم مصر أثناء هذه الفترة.

المرحلة السادسة:
وهي المرحلة التي تبدأ من 30 يونيو 2012 حتى 29 يونيو 2013، مرحلة رئاسة الدكتور محمد مرسي.
حدث في هذه المرحلة تغيير جوهري في الدستور الجديد والمواد الخاصة بإحالة المدنيين إلى القضاء العسكري، حيث نصت 
المادة 174 بدستور 2012 على ” 1-القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. 2- لا تجوز المحاكمة أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة ويحدد القانون تلك الجرائم ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخري”.

ومع ذلك لم يتغير الوضع كثيرا، حيث لم يتم إلغاء القضاء العسكري بشكل كامل، وبالرغم من أنه لم تتم إحالة أي مدني للقضاء العسكري في هذه الفترة، إلا أنه لم يتم إخلاء سبيل من تم الحكم عليهم عسكريا خلال الفترة التي سبقت هذه المرحلة.

المرحلة السابعة:
وهي المرحلة من 3 يوليو 2013 حتى الان، وتعد هذه المرحلة أسوأ فترة في تاريخ مصر، حيث تم توسيع صلاحيات القضاء العسكري علي المدنيين، لقمع الخصوم السياسيين.
ولم يختلف دستور 2013 عن دستور 2012 كثيرا في هذه الجزئية فقد نص دستور 2013 على “-1- القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن في حكمهم والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة -2- ولا تجوز المحاكمة أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءا مباشرا علي المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها أو المناطق العسكرية أو الحدودية أو معداتها ومركباتها أو أسلحتها وذخائرها أو وثائقها وأسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد أو الاعتداء غلي ضباطها وأفرادها ويحدد القانون تلك الجرائم ويبين اختصاصات القضاء العسكري.

وتأكيدا للنص الدستوري فقد صدرت مجموعة من القوانين بشأن المحاكمات العسكرية:
– قانون 136 لعام 2014 الذي أصدره الرئيس السيسي بمرسوم في غياب البرلمان، بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، والذي يضع كل المنشآت العامة تقريبا تحت سلطة القضاء العسكري لمدة عامين.

– وفي 11 نوفمبر 2014، أصدر النائب العام السابق هشام بركات مذكرة للنيابات العامة تأمر بمراجعة ملفات القضايا التي قد تدخل تحت نطاق القانون الجديد، وتحضير مذكرات بشأنها وإحالتها للنيابات العسكرية “متى طلبت ذلك”.

كما أن المادة 204 من الدستور المصري، الذي أُصدر بمقتضى استفتاء شعبي في يناير 2014 في ظل الحكومة الانتقالية بعد عزل الرئيس مرسي، تنص على جملة من الجرائم التي يواجه فيها المدنيون محاكمات عسكرية. وحدّدت المادة المذكورة تلك الحالات بحيث تقتصر على الاعتداء على عسكريين أو معدات عسكرية، والجرائم التي تمس مصانع أو أموال أو أسرار أو وثائق عسكرية.

* أبرز التجاوزات في هذه الفترة:
-محاكمة 7800 مدنيا  على الأقل؛ في محاكم عسكرية، منذ أكتوبر 2014 حتي يونيو 2016، و حُكم على معظم المدعى عليهم بعد محاكمات جماعية خرقت حقوقا أساسية في إجراءات التقاضي السليمة، كما اعتمدت بعض المحاكم على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب.
– شملت هذه المحاكمات العسكرية 86 طفلا على الأقل، بالإضافة إلى طلاب، أساتذة جامعيين ونشطاء، منهم من جرى إخفاؤهم قسرا وتعذيبهم.
– أنزلت المحاكم العسكرية 21 حُكما بالإعدام منذ أكتوبر 2014 حتى الآن.
– حكمت محكمة عسكرية خلال محاكمة جماعية لـ 27 شخصا، على قاصر عمره 15 عاما وقت اعتقاله، بالسجن 3 سنوات في منشأة للأحداث بزعم مشاركته في مظاهرة غير قانونية.
– شُنق 6 رجال بموجب أحكام أصدرتها محكمة عسكرية في أغسطس 2014، وتم تنفيذ الحكم في مايو 2015، ويوجد ما يشير إلى وجود بعضهم رهن الاحتجاز وقت وقوع جرائمهم المزعومة.
– زادت المحاكمات العسكرية الجماعية، حيث تمت إحالة 1478 شخصا من محافظة المنيا بتهمة الهجوم علي الكنائس وبيوت المسيحيين ومصالحهم التجارية في أغسطس 2013. كما أحيل المئات من سكان المنيا بأثر رجعي إلى محاكمات عسكرية بتهمة المشاركة في أحداث عنف 2013.
– في فبراير 2016، أنزلت محكمة عسكرية بالخطأ حكما على طفل عمره 4 أعوام  إثر محاكمة جماعية ضد 116 متظاهرًا من محافظة الفيوم.
– كما أنزلت محكمة عسكرية بالإسكندرية؛ حُكما أوليا بالإعدام، على سبعة أشخاص بقضية (كفر الشيخ) في 1 فبراير 2016، وأيدت المحكمة حكم الإعدام في 2 مارس 2016.

القضاء العسكري في العالم الديمقراطي

تعد المحاكمات العسكرية للمدنيين من الانتهاكات الصارخة لمواثيق القانون الدولي، ومنها (الميثاق الإفريقي لحقوق الانسان والشعوب) لعام 1981 الذي صادقت عليه مصر عام 1984، وذكرت اللجنة الإفريقية لحقوق الانسان والشعوب أنه “لا يجب أن يواجه المدنيون محاكمات عسكرية”.

كذلك شددت لجنة الطفل بالأمم المتحدة المكلفة بتفسير (حقوق الطفل) علي أنه “يجب تفادي المداولات الجنائية ضد الأطفال في القضاء العسكري” وصادقت مصر علي هذه الإتفاقية عام 1990.


كما علقت منظمة العفو الدولية في 19 فبراير 2007 بشأن إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية بقولها “إن المحاكمات التي تجرى أمام المحاكم العسكرية تنتهك المقتضيات الأساسية للقانون الدولي للمحاكمات العادلة بما في ذلك الحق في المحاكمة أمام محكمة مختصة و مستقلة ونزيهة تشكل بموجب القانون والحق في تقديم استئناف إلى محكمة أعلى”.

بعض دساتير الدول الديمقراطية وموقفها من المحاكمات العسكرية:
النمسا: تنص المادة 84 من دستورها على “القضاء العسكري لاغي إلا في زمن الحرب”.
اليونان: تنص المادة 96 لديها على “نظم التقاضي الخاصة تُقَر علي الجيش والبحرية والقوات الجوية وليس لها ولاية قضائية علي مدنيين”.
الدنمارك: تنص المادة 61 لديها على أنه “لايجوز إنشاء محاكم استثنائية مع السلطة القضائية”.
تركيا: تنص المادة 145 بتعديلات 2010 على “ينحصر اختصاص القضاء العسكري على الفصل في القضايا الخاصة بالعسكريين دون المدنيين إلا في وقت الحرب”.
أما في فرنسا والتشيك وبلجيكا وهندوراس وغيرها من الدول الديمقراطية؛ فقد تم إلغاء المحاكمات العسكرية.

لماذا تطالب المنظمات الحقوقية بإلغاء المحاكمات العسكرية؟؟

أولا: لأن المحاكمات العسكرية محاكمات استثنائية
– فالمحاكم العسكرية منشأة للعسكريين المخاطبون بقانون المحاكم العسكرية فقط، والتي تختص بالجرائم العسكرية، كالهروب من الخدمة العسكرية، أو الجرائم التي تقع علي منشآت عسكرية مثل سرقة شيء منها أو إتلاف معدات وعهدة وغير ذلك.
– الأحكام الصادرة من أي محكمة عسكرية، لا يعتد بها خارج مصر لكونها صادرة من غير القاضي الطبيعي للمتهم.
– القضاة في المحكمة العسكرية ضباط تابعين للقوات المسلحة نشأوا نشأة عسكرية ينظرون إلي من يحاكمونه على أنه مذنب.
– النشأة العسكرية التي ينشأنها ضباط المحاكم العسكرية يغلب عليها القسوة كنوع من أنواع الانضباط، فتصدر الأحكام علي خلاف القانون.
– المعيار في الحياة العسكرية، هو عامل الأقدمية، ورقي بعض الأسلحة (كالقوات الجوية وفرع القضاء العسكري) علي غيرهم من الأفراد، وهو ما يعطي المحكمة نظرة دونية لمن تحاكمه.

ثانياً: المحكمة العسكرية لا تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة
– فهي منشأة عسكرية وليست مدنية.
– كما أن من يدخلها يكون غير آمن علي نفسه بداخلها، وليس احتجاز خمسين محاميا داخل المحكمة عنا ببعيد.
– إجراءات المحاكمة تخالف القانون في كثير من الأحيان، علي سبيل المثال يكون فض الأحراز هو أول إجراء في المحاكم العادية ، ثم استجواب الشهود.. إلخ، أما في المحكمة العسكرية فيتم سماع الشهود أولا ثم فض الأحراز.
– لا تلتزم المحاكم العسكرية بقانون الإجراءات الجنائية وقانون المرافعات.
– لا يحق للدفاع في المحاكم العسكرية رد المحكمة.
– ليس هناك آلية محددة لاطلاع الدفاع علي القضايا وطلب صورة رسمية.
– لا تسمح المحاكم العسكرية بدخول الصحفيين مما يفقد المحاكمة ركن العلانية.
– حينما تخاطب هيئة المحكمة تقول (حضرات الضباط).
– لا تعطي المحكمة العسكرية الدفاع الوقت الكافي لإعداد الدفاع.
– المحكمة العسكرية لا تغير مسار النيابة في التحقيق ولا تصحح خطأ ولا تقوّم تصرف ولا تتدخل في الوصف والقيد الواردين إليها من النيابة.
– نسبة ما صدر من أحكام بالبراءة أمام المحاكم العسكرية لا تتجاوز 2%

ثالثاً : المحاكم العسكرية محاكم غير مستقلة

– القضاة بالمحكمة العسكرية يتم تعيينهم وترقيتهم ونقلهم وعزلهم بمعرفة القوات المسلحة.
– القضاة يتقاضون رواتبهم من القوات المسلحة.
– أحكام القضاة لا يعتد بها، ولا يبدأ موعد الطعن عليها إلا بعد تصديق وزير الدفاع (سلطة تنفيذية) علي الحكم أو تعديله أو إلغاؤه.
– لا يملك أحدهم أن يحكم بعدم اختصاص القضاء العسكري بنظر أي قضية معروضه عليه.
– يحق للقوات المسلحة نقل أي قاض من فرع القضاء العسكري لأي سلاح آخر.


تحميل: القضاء العسكري بين الواقع والتاريخ .. ورقة بحثية من إعداد باحثي التنسيقية المصرية

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *